المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ المحسن الكبير أحمد محمد بغلف


محفوظ سالم باعظيم
11/11/2009, 08:31 AM
الشيخ : أحمد محمد سعيد بغلف
جمعتني بالوالد الفاضل عمر محمد بانبيلة فرصة عمل تتعلق بمشروعٍ مائي . وفي نهاية لقائي به أهداني كتاباً عن الفقيد الشيخ أحمد محمد بغلف والذي يعتبره من أعز أصدقائه فعكفت على قراءته ولم أنم ليلتها حتى أتيت على الكتاب . لقد وجدتني أقع على كنز من الكنوز الثمينة والنادرة والتي تتحدث عن علم من أعلام وادي دوعن والتي كافحت وعانت كثيراً حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من شهرة فاقت حدود الوادي وتخطته إلى بقاع الدنيا قاطبة.
لقد أحببت أن أٌعرفكم على هذه الشخصية الفريدة الفذة عسى أن تنال إعجابكم ، كما آمل أن أكون قد أعطيتها جزءاً من حقها فهيا بنا نتعرف على هذه الشخصية .
ولد الشيخ أحمد بغلف في قرية خسوفر في وادي دوعن ، و كان مولده الميمون في عام 1348 هـ ، ولد و مرارة اليتم تطويه تحت جناحيها ، و ضراوة الفقر الغاشمة تلاحقه .
بدأ العلم بخسوفر قريته في وادي دوعن الحضرمي و تتلمذ على يد الشيخ الجليل عبد الله بن محمد بلخير وهو عالم من علماء الأمة الكبار الذين امتلكوا رجاحة العقل والموسوعية ، و قد شهد له الشيخ بالنبوغ والفصاحة ، وكان وراء أحمد بغلف تلك الأم العظيمة التي وهبته بفضل الله دروس الحياة الأولى .
وجاء الدور الثاني بمكة المكرمة وصل نبوغ الشيخ أحمد بغلف مداه ؛ فقد اتخذ من الحرم الشريف ملاذاً للإيمان وعلم الروح . و تتلمذ على يد أعظم العلماء الأجلاء و منهم الشيخ العالم إبراهيم الخلوصي الحلواني ، وأستاذ الخط الشهير و الحساب سلام و قد درس علوم الدين والحساب ، وترك الشيخ الجليل إبراهيم الخلوصي الحلواني أثراً بالغاً في حياة الشيخ أحمد بغلف ، إذ لقنه إلى جانب علوم الحياة الدنيا العلوم الأخروية التي تتعلق بالإيمان والسماء . وهكذا نبت بغلف في بستان الدنيا والآخرة ، وتميزت شخصيته عن شخصية الآخرين فكان ناجحاً في حياته الدنيوية ، و ناجحاً في طريقه إلى الآخرة .
يقول الشيخ أحمد بغلف عن نفسه :
كانت المراحل الأولى لحياتي قاسية إلى حد المستحيل ، نازفة إلى حد البكاء ، صعبة إلى حد المرارة ، ومع هذا فقد تجاوزت هذا بفضل الله و ما وهبني إياه من مزية الصبر ، و الإيمان بقضائه وقدره .
لقد بدأ الشيخ أحمد بغلف حياته ، مذ كان صغيراً ، عاملاً في البيوت المكية ، وامتهن هذا العمل الشاق من تحميل وتنزيل الممتلكات بين هذا المكان وذاك ، وترتيب الدور ، ووضع الأشياء في أمكنتها و مواضعها المخصصة لها .
كان الشيخ فطيناً ، متثبتاً من أفكاره ، يعرف أين موضع قدميه ، جسوراً ، مقداماً ، يحمل في أعماقه الهمة والحماسة ما يجعله جديراً بالوصول إلى أهدافه و غاياته وفق المنهاج والأسس و الأصول التي اختطها لدربه وارتضاها لنفسه الوثابة .
لقد بدأ بغلف في مجال الصرافة بالخطوة الأولى في مكة المكرمة كصراف متجول أمام أبواب الحرم و المسعى وفي منى وعرفات و مناسك الحج الأخرى . هذه الخطوة الأولى جعلته لا يقف عند هذا الحد ؛ بل بدأ يطور مهنة الصرافة حتى أصبحت منطلقاً أساسياً للخطوات الأخرى التي تدرج بها صعوداً حتى وصل إلى ما وصل . وعندما كثرت أعمال الصرافة في عموم المنطقة ، لم تنظر عيناه نظرة حقد وحسد إلى الآخرين ، بل كان ينظر بسعادة غامرة إلى هذه المجموعات التي تكونت وشكلت دائرة الصرافة العليا على مستوى الجزيرة العربية كلها .. وكان يقول : لقد اجتهدت واجتهد آخرون فأسسنا جميعاً عالم الصرافة والمال الذي يعد نواة لأكبر بنك عربي مصرفي هو الأول من نوعه في نطاق جزيرة العرب بل والوطن العربي الكبير .
كان الشيخ أحمد بغلف رجلاً في غاية البساطة ، كان مجلسه الحصير ، وكان بيت الطين مأواه . لقد كان متواضعاً على اقتدار ، و كان يعتقد أن الله عز وجل قد سخرنا لفعل الخير والإحسان .
يقول أحد أبنائه :
كان أبي يعاملنا بقسوة الخبير في الحياة ، كان يتقصد المبالغة في معاملته القاسية لنا كي نخرج من مدرسة الحياة رجالاً بكل معنى الكلمة ، كان في أعماقه يملك قلباً عطوفاً رقيقاً تجاه جميع الناس ، وكان يعاملنا كما يعامل جميع من عمل عنده ، ولم يميزنا عن الآخرين في المعاملة والميزات والأمور الأخرى . كان عادلاً تجاه الجميع ، وقد جعلنا نتعلم منه و من الحياة الشيء الكثير فتخرجنا في مدرسته ، مدرسة الرجولة ، رجالاً ورجال أعمال
من أقواله :
- من يملك العقل يملك الحياة .
- الطريق إلى صناعة الحضارة يبدأ بخطوة .
- اكسب القليل تكسب حب الناس و رضاهم ، ولا تسع للكسب الحرام ، ولو زينه الشيطان في نظرك كبيراً ، وكثيراً ، ووفيراً .
- الكريم من أحب أن تكون أحسن منه .
- أحلى لحظات العمر حين أضع رأسي على الوسادة و أحاسب نفسي على ما اقترفت في يومها الغابر .
- الرجال يصنعون أقدارهم بأيدهم .
- نحن نملك القدرة على صياغة الحياة وفق ما نملك من قدرات وطاقات ، كل هذا بفضل الله و كرمه العظيم ، يمن على عباده بعطائه الكريم ، و يهبهم مفاتيح الخير و نعيمه الذي لا ينفد ، و يهديهم سبل الخير و الرشاد و النور .
الماء في حياة بغلف :
للماء أهمية خاصة وكبيرة في حياة بغلف ، فقد عاش مع الأهل مع الناس عموماً في مناطق تعاني من شحِّ الماء معاناة مزمنة قاسية ، و قد أثر ذلك في الشيخ أحمد بغلف ، واحتل كيانه كله الحزن والأسى و الألم و المرارة .
فقد كان على المرء أن يقطع المسافات الطويلة تحت حر الهجير و قيظ الصيف و زمهرير البرد ليحصل على قطرة ماء واحدة تتقيه غائلة الموت ، فالحياة والماء صنوان لا يفترقان ، أحدهما يستدعي الآخر بالضرورة . و لذلك كان حب بغلف للماء حباً صوفياً قوياً لا تنفصم عراه .. و لذلك أيضاً أقسم بالله العظيم أن يبني الخزانات والسدود و يستدرج الماء إلى كل حقل و بيت وإنسان .
و كان لبغلف ما أراد بعون الله و رعايته و بإرادته الصلبة و بإنسانيته المخلصة ، النبيلة ، الصادقة ، الوفية .
وفاته :
توفي الشيخ أحمد محمد بغلف يوم الحج الأعظم عام 1411 هـ ، تغمده الله بواسع رحمته و أسكنه فسيح جناته .