الطير المسافر
09/04/2007, 11:26 AM
ناصر يحيى:حكاية رئيس وزراء يمني!
8/4/2007
(1)
لا يطمع الأستاذ/ عبدالقادر بالجمال –بعد إعفائه من رئاسة الوزراء- أن يكون قد ترك انطباعات حسنة ومشاعر ودية لدى الشعب اليمني تجعلهم يذكرونه بالخير كما حدث مع د.
فرج بن غانم! لكن (باجمال) يراهن أن (يترحم) اليمنيون على أيامه بعد أن يذوقوا (مرارة) الذين سيأتون بعده على القاعدة اليمنية الشهيرة أن (الزمن ما يجيش بحالي) أو على شقيقتها الأكثر قسوة: (رحم الله النباش الأول)! ويقال إن أول بث لخبر تعيين رئيس الوزراء الجديد وصل إلى القاعة التي كان يوجد فيها (باجمال) لغرض الحوار مع قيادات المعارضة بعد دقائق من قوله لهم إن الحكومة القادمة ستكون أسوأ وستجعلهم يترحمون عليه! وكما أن لكل قاعدة استثناءات..
فقد كان د. فرج بن غانم هو الاستثناء الخاص برؤساء الوزارات اليمنيين الذين تعاقبوا على هذا المنصب منذ قيام الوحدة!
وباستثناء ما يحدث من انتقادات صحفية لأعمال رؤساء الوزارات أثناء ولايتهم.. فإنه لا يوجد حتى الآن دراسات حولهم وأعمالهم لسبب بسيط جداً وهو أن رؤساء الوزارات يعملون عادة في ظل نفوذ الرئاسة ويبالغون في إظهار ولائهم وترديد العبارة الخالدة باستعدادهم لتنفيذ كل التوجيهات من رئيس الجمهورية..
والتزامهم التآم ليلا ونهاراً بنصائحه وآرائه! وعلى ذلك فكل حسنة تحدث منهم لا يحرصون على نسبها لأنفسهم خوفاً من العين.. الحمراء! وفي المقابل فإنهم يتحملون السلبيات والسيئات حتى لو كانوا من المعارضين لأسبابها!
(2)
لم يكن (باجمال) من نوعية سلفه الأسبق الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني..
فهذا الأخير معروف عنه قلة الكلام والتصريحات وندرة التعامل مع الصحافة! على العكس من (باجمال) الذي كان يمكن لوزارة الإعلام أو وكالة (سبأ) أن تصدرا عدة مجلدات عن أحاديثه وخطاباته متنوعة الاهتمام وحواراته الصحفية تماما كما تصنعان دوريا مع خطابات وحوارات رئيس الجمهورية! لكن ذلك لم يحدث..
ليس لأنها غير ذات قيمة ولكن لأن منصب (رئاسة الحكومة) في بلادنا لا يتميز كثيرا –إلا في الامتيازات- عن المناصب الأقل منه دستوريا.. بل ربما كان بعض المسؤولين هنا أو هناك يتمتعون بصلاحيات ونفوذ حقيقي أكثر من أي رئيس وزراء!
(3)
الوضعية السيئة لأي (رئيس وزراء) في اليمن تلوح من خلال مكافآت نهاية الخدمة التي يحصلون عليها (قبيل) تغييرهم أو عزلهم..
مع أن الأصل فيها أن تؤخذ (بعد) التغيير!.. وأقل هذه المكافآت سوءا تلك التي حصل عليها أحدهم وتمثلت في المقال الشهير عن (العجيبة الثامنة)! وثانٍ شنت عليه حملات صحفية في غاية الشراسة في مطبوعات تمول –كما يقال- من دوائر لصيقة بالسلطة إن لم تكن هي السلطة نفسها!
أما (باجمال) فكانت مكافأة نهاية خدماته محاولة –سرعان ما أجهضت- لتغييره بطريقة أقل ما يقال فيها أنها تدل على نكران الجميل لدوره في تطييب السلطة وتجميلها رغم بشاعة أفعالها..
فهو كان من نوعية د. الإرياني في الإقدام على اتخاذ إجراءات غير شعبية ولو كانت على حساب شعبيته! وحكاية الشعبية هذه قالها (د. الإرياني) في أعقاب جرعة يونيه 1998م مؤكدا أنه على استعداد للتضحية بشعبيته من أجل الاستمرار في تنفيذ برامج الجرع السعرية! مع أنه لم يكن في الأمر تضحية ولا إيثار فكلا الرجلين الإرياني وباجمال يفتقدان أصلا للشعبية وهما يصنعان بإدعاء التضحية مثل ذلك الذي يضحي بعينه العوراء وهو يعلم أنها (خسرانة..خسرانة) وتبقى بعد ذلك فروق ما بين الرجلين..
فالإرياني لم يكن يتهور كثيرا في استعداء المعارضة، باستثناء الإسلاميين الإصلاحيين في بعض المناسبات! بينما بالغ (باجمال) كثيرا في التهجم على المعارضة والنيل منها بما لا يتناسب مع مركزه وبما لا يجعله يختلف كثيرا عن بعض رؤساء الصحف المؤتمرية والشقيقة الذين جيء بهم لهذا الغرض الذي يتعفف عنه كثيرون!
ومن الفوارق بين الرجلين أن (باجمال) كان أكثر واقعية في تعامله مع الجهات العليا فهو كان يعلم أن وجوده رئيساً للوزراء محكوم بمعايير لا تضمن له الاستمرار ولا الحصانة من مكافأة نهاية الخدمة المعهودة! وشاع عنه أن قال إنه لن يصنع مثل (فرج بن غانم) ويقدم استقالته بل سيبقى حتى يأتيه أحد الأجلين: العزل أو الموت!
ولذلك يرجح كثيرون أن (باجمال) تحرك بدهاء سريع لإفشال عملية تغييره الأولى بعد أن وجد فيها قدراً كبيراً من نكران الجميل ومحاولة الإساءة له من قبل مراكز القوى المتصارعة والمهيمنة! ولاشك أن باجمال لو كان استسلم يومها لقرار عزله، مع ما صاحبه من اتهامات وإساءات له،
لربما كان قد اضطر للخضوع للعلاج النفسي بجانب علاج القلب في لندن.. ولربما كان قد التحق بالمعارضين أو على الأقل لربما فضل عدم العودة للحياة في بلد ينال فيها المسؤولون مكافأة نهاية خدمة مغموسة في الإذلال والإساءات ونكران الجميل!
وعلى العكس من (باجمال) يبدو د. الإرياني رومانسيا في هذا السياق.. فعندما توكل على شعبيته وأصدر قرارات رفع الأسعار في يونيه 1998 –بعد أيام قليلة من توليه رئاسة الوزارة- وخرجت المظاهرات الغاضبة ضده..
عندها فوجئ (الإرياني) ليس بالغضب الشعبي ولكن بالأصابع الرسمية التي كانت تقف وراء بعض تلك المظاهرات الساخطة والتي نالت بهتافاتها منه ما لم يكن يخطر بباله أن يسمعه في يوما ما! وشاع يومها أنه سقط مغشيا عليه في مقر الحكومة بعد سماعه لهتافات قاسية ترددت –أيضاً- في محافظات أخرى بالوتيرة نفسها والكلمات ذاتها! ولأن (الإرياني) يعلم أن المعارضة لم تكن وراء تلك المظاهرات فضلا عن عجزها عن إدارتها في عدة محافظات في وقت واحد وبسيناريو واحد..
لذلك كانت الدوخة هي أفضل حل ساعتها! وأذكر يومها أنني ذهبت إلى وزارة الإعلام –المجاورة لرئاسة الوزراء- فوجدت جماعات من المتظاهرين تتحرك بحرية قبالة المبنى وبجوار الجنود الذين كانوا يراقبونهم بهدؤ ولم يحركوا ساكنا حتى وهم يرون بعض المتظاهرين يعتدي على صندوق القمامة بجواره! ولأمر ما تصدر تهديدات رسمية –عادة- بعيد أعمال الشغب ووعيد بالمحاكمة ثم سرعان ما تصدر قرارات العفو!
ومن الفوارق بين الإرياني وباجمال أن الأول اشتهر بحبه لقرابته حتى شاعت نكتة أن أول طلب له من رئيس الجمهورية، بعد تكليفه برئاسه الحكومة خلفا لفرج بن غانم، كان (اجعل لي وزيرا من أهلي..) فاستيجب له وتولى صهر له وزارة دولة! ومن يومها ظل هناك مقعد وزاري محجوز لفرد في العائلة!
أما (باجمال) فلم تشيع مثل هذه الخصلة عنه رغم ما هو معروف عن (الحضارم) من التكاتف الأخوي والترابط النفسي الذي يجمع بينهم.. لكن (باجمال) اشتهر عن عهده ظهور صفقات كبرى ملوثة بالفساد وخاصة في مجال النفط أثيرت في مجلس النواب لكن لا يعني ذلك بالضرورة أنه مسؤول مباشرة عنها، وربما كان تزايد ظهور قضايا الفساد سببه حالة الوفرة المالية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية بسبب ارتفاع أسعار النفط!
(4)
سوف يفتقد الصحافيون، خاصة في المعارضة، وجود الأستاذ/ عبدالقاد باجمال رئيساً للوزراء فقد كان أداؤه وتصريحاته توفر مادة لا تنضب للتعليق عليها ونقدها! وشخصيا تعاطفت مع (باجمال) مرتين.. في واحدة منهما عندما كاد يعفى من منصبه كرئيس للوزراء يتلك الطريقة الأقرب للغدر..
و(الغدر) صفة مقيتة ولاسيما عندما تصدر من داخل البيت.. والمرة الأخرى التي تعاطفت فيها معه عندما قرأت ما أورده (يفغيني بريماكوف) وزير الخارجية الروسي السابق في كتابه (الشرق الأوسط: المعلوم والمخفي) نقلا عن (باجمال) الذي قص عليه معاناة المسجونين –الذين كان مسجونا معهم في (عدن) في أعقاب أحداث 13 يناير 1986..
وكانت المعاناة التي شكا منها هي حرمان المسجونين من قراءة القرآن الكريم والكتب الدينية! والأسوأ من ذلك هو أن السجانين فرضوا على المسجونين قراءة الكتب الماركسية (أو كما قال باجمال)!
ولاشك أن ما سلف يثير التعاطف مع (باجمال) فهو انتقل من سدة الحكم والقوة إلى السجن مباشرة.. والأكثر إثارة للتعاطف هو إجباره على قراءة الكتب الماركسية في السجن بينما المرء في مثل هذه الأماكن يبحث –عادة- عن كتب تسلى قلبه وتساعده على تمضية سنوات السجن لا كتب ماركسية مغرقة في الجفاف والأيديولوجية الحادة والتنظيرات المادية..
فإذا تذكرنا أن الرجل كان قياديا ماركسيا فذلك يعني أنه سبق له قراءة تلك الكتب.. وها هو يجبر على إعادة قراءتها من جديد
صحيح.. يا ما في السجن.. مناكيد!
8/4/2007
(1)
لا يطمع الأستاذ/ عبدالقادر بالجمال –بعد إعفائه من رئاسة الوزراء- أن يكون قد ترك انطباعات حسنة ومشاعر ودية لدى الشعب اليمني تجعلهم يذكرونه بالخير كما حدث مع د.
فرج بن غانم! لكن (باجمال) يراهن أن (يترحم) اليمنيون على أيامه بعد أن يذوقوا (مرارة) الذين سيأتون بعده على القاعدة اليمنية الشهيرة أن (الزمن ما يجيش بحالي) أو على شقيقتها الأكثر قسوة: (رحم الله النباش الأول)! ويقال إن أول بث لخبر تعيين رئيس الوزراء الجديد وصل إلى القاعة التي كان يوجد فيها (باجمال) لغرض الحوار مع قيادات المعارضة بعد دقائق من قوله لهم إن الحكومة القادمة ستكون أسوأ وستجعلهم يترحمون عليه! وكما أن لكل قاعدة استثناءات..
فقد كان د. فرج بن غانم هو الاستثناء الخاص برؤساء الوزارات اليمنيين الذين تعاقبوا على هذا المنصب منذ قيام الوحدة!
وباستثناء ما يحدث من انتقادات صحفية لأعمال رؤساء الوزارات أثناء ولايتهم.. فإنه لا يوجد حتى الآن دراسات حولهم وأعمالهم لسبب بسيط جداً وهو أن رؤساء الوزارات يعملون عادة في ظل نفوذ الرئاسة ويبالغون في إظهار ولائهم وترديد العبارة الخالدة باستعدادهم لتنفيذ كل التوجيهات من رئيس الجمهورية..
والتزامهم التآم ليلا ونهاراً بنصائحه وآرائه! وعلى ذلك فكل حسنة تحدث منهم لا يحرصون على نسبها لأنفسهم خوفاً من العين.. الحمراء! وفي المقابل فإنهم يتحملون السلبيات والسيئات حتى لو كانوا من المعارضين لأسبابها!
(2)
لم يكن (باجمال) من نوعية سلفه الأسبق الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني..
فهذا الأخير معروف عنه قلة الكلام والتصريحات وندرة التعامل مع الصحافة! على العكس من (باجمال) الذي كان يمكن لوزارة الإعلام أو وكالة (سبأ) أن تصدرا عدة مجلدات عن أحاديثه وخطاباته متنوعة الاهتمام وحواراته الصحفية تماما كما تصنعان دوريا مع خطابات وحوارات رئيس الجمهورية! لكن ذلك لم يحدث..
ليس لأنها غير ذات قيمة ولكن لأن منصب (رئاسة الحكومة) في بلادنا لا يتميز كثيرا –إلا في الامتيازات- عن المناصب الأقل منه دستوريا.. بل ربما كان بعض المسؤولين هنا أو هناك يتمتعون بصلاحيات ونفوذ حقيقي أكثر من أي رئيس وزراء!
(3)
الوضعية السيئة لأي (رئيس وزراء) في اليمن تلوح من خلال مكافآت نهاية الخدمة التي يحصلون عليها (قبيل) تغييرهم أو عزلهم..
مع أن الأصل فيها أن تؤخذ (بعد) التغيير!.. وأقل هذه المكافآت سوءا تلك التي حصل عليها أحدهم وتمثلت في المقال الشهير عن (العجيبة الثامنة)! وثانٍ شنت عليه حملات صحفية في غاية الشراسة في مطبوعات تمول –كما يقال- من دوائر لصيقة بالسلطة إن لم تكن هي السلطة نفسها!
أما (باجمال) فكانت مكافأة نهاية خدماته محاولة –سرعان ما أجهضت- لتغييره بطريقة أقل ما يقال فيها أنها تدل على نكران الجميل لدوره في تطييب السلطة وتجميلها رغم بشاعة أفعالها..
فهو كان من نوعية د. الإرياني في الإقدام على اتخاذ إجراءات غير شعبية ولو كانت على حساب شعبيته! وحكاية الشعبية هذه قالها (د. الإرياني) في أعقاب جرعة يونيه 1998م مؤكدا أنه على استعداد للتضحية بشعبيته من أجل الاستمرار في تنفيذ برامج الجرع السعرية! مع أنه لم يكن في الأمر تضحية ولا إيثار فكلا الرجلين الإرياني وباجمال يفتقدان أصلا للشعبية وهما يصنعان بإدعاء التضحية مثل ذلك الذي يضحي بعينه العوراء وهو يعلم أنها (خسرانة..خسرانة) وتبقى بعد ذلك فروق ما بين الرجلين..
فالإرياني لم يكن يتهور كثيرا في استعداء المعارضة، باستثناء الإسلاميين الإصلاحيين في بعض المناسبات! بينما بالغ (باجمال) كثيرا في التهجم على المعارضة والنيل منها بما لا يتناسب مع مركزه وبما لا يجعله يختلف كثيرا عن بعض رؤساء الصحف المؤتمرية والشقيقة الذين جيء بهم لهذا الغرض الذي يتعفف عنه كثيرون!
ومن الفوارق بين الرجلين أن (باجمال) كان أكثر واقعية في تعامله مع الجهات العليا فهو كان يعلم أن وجوده رئيساً للوزراء محكوم بمعايير لا تضمن له الاستمرار ولا الحصانة من مكافأة نهاية الخدمة المعهودة! وشاع عنه أن قال إنه لن يصنع مثل (فرج بن غانم) ويقدم استقالته بل سيبقى حتى يأتيه أحد الأجلين: العزل أو الموت!
ولذلك يرجح كثيرون أن (باجمال) تحرك بدهاء سريع لإفشال عملية تغييره الأولى بعد أن وجد فيها قدراً كبيراً من نكران الجميل ومحاولة الإساءة له من قبل مراكز القوى المتصارعة والمهيمنة! ولاشك أن باجمال لو كان استسلم يومها لقرار عزله، مع ما صاحبه من اتهامات وإساءات له،
لربما كان قد اضطر للخضوع للعلاج النفسي بجانب علاج القلب في لندن.. ولربما كان قد التحق بالمعارضين أو على الأقل لربما فضل عدم العودة للحياة في بلد ينال فيها المسؤولون مكافأة نهاية خدمة مغموسة في الإذلال والإساءات ونكران الجميل!
وعلى العكس من (باجمال) يبدو د. الإرياني رومانسيا في هذا السياق.. فعندما توكل على شعبيته وأصدر قرارات رفع الأسعار في يونيه 1998 –بعد أيام قليلة من توليه رئاسة الوزارة- وخرجت المظاهرات الغاضبة ضده..
عندها فوجئ (الإرياني) ليس بالغضب الشعبي ولكن بالأصابع الرسمية التي كانت تقف وراء بعض تلك المظاهرات الساخطة والتي نالت بهتافاتها منه ما لم يكن يخطر بباله أن يسمعه في يوما ما! وشاع يومها أنه سقط مغشيا عليه في مقر الحكومة بعد سماعه لهتافات قاسية ترددت –أيضاً- في محافظات أخرى بالوتيرة نفسها والكلمات ذاتها! ولأن (الإرياني) يعلم أن المعارضة لم تكن وراء تلك المظاهرات فضلا عن عجزها عن إدارتها في عدة محافظات في وقت واحد وبسيناريو واحد..
لذلك كانت الدوخة هي أفضل حل ساعتها! وأذكر يومها أنني ذهبت إلى وزارة الإعلام –المجاورة لرئاسة الوزراء- فوجدت جماعات من المتظاهرين تتحرك بحرية قبالة المبنى وبجوار الجنود الذين كانوا يراقبونهم بهدؤ ولم يحركوا ساكنا حتى وهم يرون بعض المتظاهرين يعتدي على صندوق القمامة بجواره! ولأمر ما تصدر تهديدات رسمية –عادة- بعيد أعمال الشغب ووعيد بالمحاكمة ثم سرعان ما تصدر قرارات العفو!
ومن الفوارق بين الإرياني وباجمال أن الأول اشتهر بحبه لقرابته حتى شاعت نكتة أن أول طلب له من رئيس الجمهورية، بعد تكليفه برئاسه الحكومة خلفا لفرج بن غانم، كان (اجعل لي وزيرا من أهلي..) فاستيجب له وتولى صهر له وزارة دولة! ومن يومها ظل هناك مقعد وزاري محجوز لفرد في العائلة!
أما (باجمال) فلم تشيع مثل هذه الخصلة عنه رغم ما هو معروف عن (الحضارم) من التكاتف الأخوي والترابط النفسي الذي يجمع بينهم.. لكن (باجمال) اشتهر عن عهده ظهور صفقات كبرى ملوثة بالفساد وخاصة في مجال النفط أثيرت في مجلس النواب لكن لا يعني ذلك بالضرورة أنه مسؤول مباشرة عنها، وربما كان تزايد ظهور قضايا الفساد سببه حالة الوفرة المالية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية بسبب ارتفاع أسعار النفط!
(4)
سوف يفتقد الصحافيون، خاصة في المعارضة، وجود الأستاذ/ عبدالقاد باجمال رئيساً للوزراء فقد كان أداؤه وتصريحاته توفر مادة لا تنضب للتعليق عليها ونقدها! وشخصيا تعاطفت مع (باجمال) مرتين.. في واحدة منهما عندما كاد يعفى من منصبه كرئيس للوزراء يتلك الطريقة الأقرب للغدر..
و(الغدر) صفة مقيتة ولاسيما عندما تصدر من داخل البيت.. والمرة الأخرى التي تعاطفت فيها معه عندما قرأت ما أورده (يفغيني بريماكوف) وزير الخارجية الروسي السابق في كتابه (الشرق الأوسط: المعلوم والمخفي) نقلا عن (باجمال) الذي قص عليه معاناة المسجونين –الذين كان مسجونا معهم في (عدن) في أعقاب أحداث 13 يناير 1986..
وكانت المعاناة التي شكا منها هي حرمان المسجونين من قراءة القرآن الكريم والكتب الدينية! والأسوأ من ذلك هو أن السجانين فرضوا على المسجونين قراءة الكتب الماركسية (أو كما قال باجمال)!
ولاشك أن ما سلف يثير التعاطف مع (باجمال) فهو انتقل من سدة الحكم والقوة إلى السجن مباشرة.. والأكثر إثارة للتعاطف هو إجباره على قراءة الكتب الماركسية في السجن بينما المرء في مثل هذه الأماكن يبحث –عادة- عن كتب تسلى قلبه وتساعده على تمضية سنوات السجن لا كتب ماركسية مغرقة في الجفاف والأيديولوجية الحادة والتنظيرات المادية..
فإذا تذكرنا أن الرجل كان قياديا ماركسيا فذلك يعني أنه سبق له قراءة تلك الكتب.. وها هو يجبر على إعادة قراءتها من جديد
صحيح.. يا ما في السجن.. مناكيد!