مشاهدة النسخة كاملة : كيف ظهر الخلاف والتفرق بين المسلمين
الورده
22/01/2007, 03:23 PM
كان الخلاف في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي فور وصوله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حين يحكم فيه، وبعد وفاته وحتى آخر عصر الخلفاء الراشدين كان المسلمون على منهج واحد في أصول الدين وفي فروعه، إلا أنه قد وجدت بعض الأمور التي كانت محل خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، ولكنهم قضوا عليها بثباتهم ونياتهم الصادقة –بعد توفيق الله لهم- نذكر منها على سبيل الإيجاز ما يلي:
1- ما أصاب بعض الصحابة من الدهشة من موت الرسول صلى الله عليه وسلم هل مات الرسول كما مات غيره من الأنبياء؟ لأن الله تعالى يقول: (إنك ميت وإنهم ميتون) ، أم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمت وإنما هو في غيبوبة وسيفيق منها، حتى قال عمر رضي الله عنه: من قال إن رسول الله مات-ضربته بالسيف؟
وحينما جاء أبو بكر رضي الله عنه قضى على هذا الخلاف، وأقر الجميع بموت الرسول صلى الله عليه وسلم.
هكذا يذكر أصحاب المقالات، ومن وجهة نظري لا أرى أن هذا يشكل خلافاً حقيقياً وإنما هي حالة طارئة مرّت بالمسلمين دون أن تشكل ظاهرة خلافية.
2- اختلفوا كذلك في موضع دفنه:
1- فأراد أهل مكة رده إلى مكة.
2- وأراد أهل المدينة دفنه بها.
3- وقال آخرون بنقله إلى بيت المقدس.
ولكل فريق من هؤلاء حججه على ما يراه لكن الخليفة الراشد الصديق رضي الله عنه قضى على هذا الخلاف حينما روي لهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)) ...والخلاف في هذه المسألة يعتبر خلافاً خطيراً؛ إذ لو وقف كل فريق عند رأيه وعاند لأدى ذلك إلى فتنة عظيمة.
3- اختلفوا في تسيير جيش أسامة، هل يبقى بالمدينة كما يرى عمر وغيره، لضرورة الحاجة إليه؟ أم يذهب لما وجهه الرسول عليه السلام كما يرى أبو بكر؟
وقد شرح الله صدورهم لتوجيهه، وكان في ذلك خير عظيم.
4- ثم اختلفوا في قتال مانعي الزكاة، هل يقاتلون كما يقاتل الكفار لأنهم فرقوا بين ركنين من أركان الإسلام؟ أم لا يقاتلون ما داموا يشهدون الشهادتين، ويؤدون الصلاة؟.
ثم انتهى الخلاف بقبول رأي أبي بكر في قتال هؤلاء. وحتى الذين خالفوا في قتال مانعي الزكاة ما كانوا يريدون تركهم مطلقاً، وإنما كانوا يرون تأخير حسابهم معهم إلى حين القضاء على من هو أخطر منهم وأشد شوكة0
5- وكالاختلاف في الإمامة لمن تكون لقريش أم للأنصار؟ واجتماعهم في سقيفة بني ساعدة، ورجوعهم أخيراً إلى مبايعة أبي بكر الصديق حينما تبين لهم الحق في قوله.
ثم تفاقم التصدع والانشقاق الخطير شيئاً فشيئاً إلى أن انتهى بمقتل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، حينما سعى في ذلك عدو الله ابن سبأ، ثم أصبح المسلمون فرقاً وأحزاباً وفشت بينهم العداوة والبغضاء إلا من رحم الله ؛ مصدقاً لقول عثمان رضي الله عنه: ((فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي ولا تصلون بعدي جميعاً ولا تقتلون بعدي جميعاً عدواً أبداً))
الورده
22/01/2007, 03:24 PM
مدى سعة الخلاف الذي كان يحصل بين الصحابة وموقفهم منه.
وكيف تطور بعدهم إلى تمزيق وحدة الأمة الإسلامية
رأينا فيما سبق أن الصحابة اختلفوا في مسائل لو أنها عند غيرهم لأريقت في بعضها الدماء، ولكن الصحابة ما كانوا يريدون الخلاف لذاته أو لأهوائهم كما حصل فيما بعد عند غيرهم.
إلاّ أن جل خلافهم إنما كان حول فهم نص من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهي أمور أكثرها اجتهادية شبيهة بما كان يحصى أحياناً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كما حصل في أمر صلاة العصر حينما توجهوا إلى بني قريضة، وكان أحدهم إذا تبين له صحة وجهة نظر أخيه ترك خلافه، ورجع إلى الحق، بل وربما يرجع عن خلافه في مثل المسائل الاجتهادية؛ حرصاً على جمع الكلمة، وسداً لمنافذ الخلافات أو فتح الثغرات التي يأوي إليها المتربصون بهم...
ومما ورد في كره الصحابة للخلاف، ورجوع بعضهم عنه في مسائل الاجتهاد خوفاً من تفرق الكلمة ما جاء في صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه قال: ((اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي)) .
قال ابن حجر في معناه نقلاً عن أيوب: ((إن ذلك بسبب قول علي في بيع أم الولد، وأنه كان يرى هو وعمر أنهن لا يبعن وأنه رجع عن ذلك فرأى بيعهن)) قال عبيدة : فقلت له رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلى من رأيك وحدك في الفرقة، فقال علي ما قال، قلت وقد وقعت في رواية حماد بن زيد أخرجها ابن المنذر عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم عنه، وعنده قال لي عبيدة: بعث إلى علي وإلى شريح فقال: ((إني أبغض الاختلاف فاقضوا كما كنتم تقضون)) ثم قال ابن حجر في شرح قول علي رضي الله عنه: ((فإني أكره الاختلاف)) أي الذي يؤدي إلى النزاع.
قال ابن التين: ((يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة ، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه ما يفيد رجوعه عن خلافه خوفاً من قيام فتنة)) .
وظل الخلاف في حياتهم لا يراد به إلا الوصول إلى الحق والتمسك به.
ثم جاء من بعدهم أشكال من الناس بعضهم كان منافقاً فأظهر الإسلام والموافقة، ثم عمل في الداخل على تضخيم الخلاف، وفتح ثغرة في مفاهيم المسلمين، وجادل بالتأويل والشبهات، وبعضهم استغل اختلاف الصحابة في بعض المسائل، واتخذ منه سبيلاً لتمزيق وحدة الأمة الإسلامية بتقليب الأدلة ومعارضة بعضها ببعض، وإذكاء التعصب، وزيادة حدة الخلاف ليحقق هدفه في الحقد على المسلمين .
ثم تطور الخلاف بين المسلمين من سيء إلى أسوأ، إلى أن وصل الحال إلى الواقع المؤسف الذي نعيشه اليوم من التباكي على الوحدة الإسلامية التي صارت صعبة المنال، بما اقترفوه من أفكار نفرت بعضهم عن بعض، وأذكى علماؤهم الأحقاد، وضخموا حجم الخلافات حتى صاروا فرقاً متناحرة، وتكثروا من ألقاب المدح بما لم يفعلوا، وصدق عليهم قول الشاعر الأندلسي:
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
وتوالت على المسلمين الضربات والإهانات، وتأمر عليهم أهل الشرق والغرب، ونسوا أن الله طلب منهم أن يكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، فذل المسلمون ذلاً شنيعاً وخصوصاً في عصرنا الحاضر، ولكنهم لم يستيقظوا من الضربات، ولا تدري هل ذلك من هول ما أصابهم، أم يطلبون المزيد من الإهانات.
والعرب بخصوصهم الذين كانوا قبل الإسلام أذل الناس، يريد الكثير منهم الآن العودة إلى تلك الجاهلية التي أخرجهم الله منها، وأبدلهم بالهدى والنور بعد أن كانوا على شفا حفرة من النار، وسيعلمون لو تم لهم ما يريدون- لا سمح الله- كم جَنَوْا على أنفسهم وعلى أمتهم، وهؤلاء أحد عوامل الهدم وإضعاف المسلمين. فقد توالت على المسلمين عوامل كثيرة أضعفتهم، عوامل خارجية أتقن تخطيطها أعداؤهم، فضربوهم في عقر دارهم، وحاربوا الدعوات الإسلامية بشتى الأساليب، وتأثر كثير ممن ينتسب إلى الإسلام بالدعايات المضللة، وبقي قلة من المخلصين قد خذلهم القريب والبعيد وهم نواة الخير في الأرض، ولن يخذلهم الله تعالى.
وعوامل داخلية من العصبية البغيضة، وإثارة النعرات الجاهلية، واتباع الهوى، واتخاذ رؤساء جهالاً معجبين بآرائهم، وصاروا كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ((غثاء كغثاء السيل)) ، ولهذا فإن هذه الكثرة تُرى في المسلمين لا تُفْرِحْ كثيراً، فقد رأينا كيف وقفوا عاجزين أما أعدائهم في كل مكان، اللهم إلا فئات قليلة صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
الورده
22/01/2007, 03:25 PM
مظاهر الخلاف بين المسلمينمر المسلمون بخلافات عديدة، والمتتبع لكل تلك الخلافات يجد أنها:
1- إما أن تكون خلافات عملية جردت فيها السيوف والمدافع والبنادق، ولا شك أنها نتيجة لخلافات عقدية في أكثرها، وإن كانت تبدوا أنها سياسية، وبعضها خلافات سياسية خصوصاً في القرون الأولى.
وهذه الخلافات يهتم بها كتّاب التاريخ، يسجلونها ويوضحون أسبابها، ويذكرون نتائجها، وهي كثيرة على مدى التاريخ الإسلامي قديماً وحديثاً.
قديماً ما وقع بين علي رضي الله عنه والخوارج، وما وقع بين الخوارج والدولة الأموية، وما وقع بين الدولة الأموية وابن الزبير.
وحديثاً ما نراه واضحا في لبنان وغيره من فتك الشيعة- الذين يتظاهرون بالإسلام- بأهل السنة وتنكيلهم بهم إلى حد الاستهتار بدمائهم، أو بين أهل السنة وبين مم يتظاهر بالإسلام على ديانة القاديانية أو البهائية أو غيرهم، ممن يتظاهر بالإسلام ويصوب السلاح إلى صدور المسلمين.
2- وإما أن تكون خلافات علمية، وهذه خاض غمارها العلماء، كل فريق يؤيد ما يذهب إليه، وينقض ما ذهب إليه المخالف دون أن يصغي لأدلة من يخالفه بعين الإنصاف –في أكثر الأحوال-، حتى إن كل فريق من المختلفين يقول: رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
وهذه الخلافات وإن لم تكن عملية، إلا أنها في كثير من القضايا أسهمت في إذكاء نار العداوة والبغضاء بين المسلمين، وساعدت في نفره المسلمين بعضهم عن بعض، خصوصاً بعد أن تولاها قوم معجبون بآرائهم، جهال بمعرفة النصوص وما تهدف إليه؛ فتعصبوا لمشايخهم وأفكارهم، ثم انطووا على ذلك .
ودارس الفرق يهمه الإلمام بالأمرين جميعاً؛ حتى يتسنى له الحكم على الأمور بوضوح، فإن معرفة الحوادث التاريخية، ومعرفة الأفكار والمعتقدات ثم عرضها على كتاب الله وسنة نبيه، ثم الاسترشاد بما فهمه السلف من تلك النصوص هو بالإضافة إلى أنه من الإحسان إلى النفس وإلى الآخرين، طريق الإنصاف، ومعرفة الداء ودوائه.
الفصل الثامن
كيف تبدأ الفرق في الظهور يذكر علماء الفرق أنه عندما يريد شخص معرفة ظهور فرقة من الفرق على وجه التحديد، فإن ذلك من غير اليسير الوصول إليه والجزم به دون تخمين أو شك، وذلك:
لأن الفرقة لا تستحق هذا الاسم إلا بعد مرورها بمراحل متعددة، تبدأ فكرة صغيرة، فردية أو جماعية، ثم تتكون شيئاً فشيئاً إلى أن تصبح فرقة ذات منهج مميز لها سياسياً أو اجتماعياً.
وهذا ما عناه الأستاذ أبو زهرة حين قال:
((إن رأينا أن الأفكار التي تشيع وتنتشر، من الصعب الوصول إلى مبدئها على وجه الجزم واليقين من غير حدس أو تخمين)) .
والتخطيط لقيام الفرقة قد تطول مدته وقد تقصر، حسبما يتهيأ لها من الظروف والعوامل المساعدة لقيامها، وعلى هذا فإنه ينبغي حسبما يبدو لي أن نفرق بين ظهور الفرقة كفرقة ذات أفكار وآراء اعتقادية وبين ظهورها كفكرة.
والصعوبة إنما تكمن في ظهورها فكرة، وأما تحديد ظهورها فرقة فهو ما سجله العلماء عن ظهور كل الفرق والطوائف.
الورده
22/01/2007, 03:26 PM
منهج العلماء في عدَّ الفرق
لم يوجد لعلماء الفرق قانون يسيرون عليه في عدّهم للفرق الإسلامية، بل سلكوا طرقا عديدة، كل واحد منهم يعدها حسب اجتهاده، وما وصل إليه علمه.
وفي هذا يقول الشهر ستاني – رحمه الله-: ((اعلم أن لأصحاب المقالات طرقاً في تعديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى أصل ونص)).
ثم اقل: ((فما وجدت مصنّفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق، ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أنه ليس كل من تميز عن غيره- بمقالة ما في مسألة ما –عُدّ صاحب مقالة، وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد)).
وقال أيضاً: ((وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط إلا أنهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيف ما اتفق، وعلى الوجه الذي وجد، لا على قانون مستقر وأصل مستمر)) .
والواقع أننا نجد مصداق كلام الشهر ستاني عند تتبع العلماء للفرق، وأقرب مثال لذلك أنك تجد أمهات الفرق عند الأشعري عشر أصناف، وعند الشر ستاني نفسه أربع فرق، وعند غيرهما ثمان فرق، وعند آخرين ثلاثاً، وبعضهم يجعلها خمساً، إلى غير ذلك مما يوحي بعدم وجود قانون لعدّ الفرق مستقلة أو تابعة لغيرها؛ إذا كان هَمُّ الأولين فيما يبدو تسجيل ما يجدون من آراء فردية كانت أو جماعية.
ولعل بعض هؤلاء العلماء اختلط عليه الأمر فيمن يستحق أن يطلق عليه أنه من أهل ملة الإسلام فيعتبر خلافه، أو لا يعتبره من المسلمين فلا يذكر خلافه، وهذه المسألة تحتاج إلى إيضاح نوجز ما ذكره البغدادي عنها فيما يلي:
الورده
22/01/2007, 03:27 PM
ما المراد بأمة الإسلام؟
اختلف المنتسبون إلى الإسلام في الذين يدخلون بالاسم العام في ملة الإسلام، وحاصل الأقوال في هذه المسألة كما يلي:
1- أن هذه التسمية تشمل كل مقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن كل ما جاء به حق، كائناً قوله بعد ذلك ما كان.
وهذا قول زعيم طائفة الكعبية من المعتزلة أبي القاسم الكعبي.
2- أنها تشمل كل من يرى وجوب الصلاة إلى جهة الكعبة.
3- أنها تشمل كل من أقر بالشهادتين ظاهراً ولو كان مضمراً للنفاق والكفر.
والواقع: أن تلك الأقوال لا تخلو من إيراد عليها وانتقاد لها، فقول الكعبي الأول، وقول مجسمة خراسان الأخير ينقضه ما موقع من يهود إصبهان من إقرارهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة لا إلى بني إسرائيل، وكذا قال قوم من موشكانية اليهود- نسبة إلى زعيمهم موشكان- فإنهم أقروا بجميع شرائع الإسلام، ونفوا أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم نبي إلى كافة البشر، بما فيهم اليهود.
ومع ذلك فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا تعتبر أقوالهم ضمن أقوال الفرق الإسلامية .
والصحيح في هذا كله أنه لا يدخل في الإسلام إلا من أقر به ظاهراً وباطناً، والتزم بالإيمان بالشريعة الإسلامية، ثم إذا كان له بعض البدع فإنه ينزل من الإسلام حسب قربه أو بعده عنه، ويعامل على هذا الأساس، ويحترز من تكفير شخص بعينه إلا إذا ظهر كفره من قوله أو فعله أو اعتقاده بعد إقامة الحجة عليه.
الورده
22/01/2007, 03:28 PM
التفرق في عصرنا الحاضر
سبق أن عرفنا نهي الدين عن التفرق، وذكرنا الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية على ذلك، كما تبين لنا كذلك الخطر الذي يكمن في طريق الأمة الإسلامية، والذي يعوقها عن الوصول إلى الغاية التي أمرهم الله بها. وكيف أنهم حينما يتفرقون ويصبحون أحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون-يصبحون أمة ضعيفة لا قيمة لها، كما هي سنة الله في الذين خَلَوا من قبل.
ويجري عليهم نفس المصير الذي جرى على الأمم قبلهم، لأنه لا نجاة ولا عزة إلا بالتمسك بالإسلام الذي رفع الله به أقواماً قبلوه وأذل به آخرين استكبروا عنه، وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ومن الشقاء إلى السعادة ومن الجهل إلى العلم، وعاش الناس في ظلاله عيشة في منتهى السعادة.
وقد مضت تلك الأيام غرة في جبين الدهر، ولسان حال المسلمين اليوم يقول:
وودّ بجدع الأنف لو عاد عهدها وعاد له فيها مصيف ومريع
تنكر للإسلام كثير ممن يتظاهر به، ويزعم أنه يسير على نهجه فألحق بالمسلمين الذل بعد ذلك العز الذي غمر شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، وكان هؤلاء أشد على الإسلام والمسلمين من أعدائه الظاهرين حين أعرضوا عن تعاليم الإسلام المشرقة، وصاروا صعاليك يستجدون موائد الشرق والغرب القذرة، وعملوا ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً على إضعاف المسلمين وتشكيكهم في دينهم وتشتيت أمرهم.
وقد ساعدهم على ذلك أعداء الإسلام الذين يتربصون به الدوائر (عليهم دائرة السَّوء وغضب الله عليهم) والذين يمدونهم بكل ما لديهم من التشجيع المادي والمعنوي، فإذا بهم يتحولون إلى وحوش وسباع ضارية، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.
لقد تربى هؤلاء على موائد الكفرة ودرسوا في مدارسهم، وأتقنوا مناهجه ثم أظهروا أنفسهم أبطالاً فاتحين، واتخذوا لأنفسهم شعارات براقة خادعة وهم ما بين ثوري اشتراكي شيوعي، أو بعثي زنديق حاقد، أو رأسمالي جشع حقود حسود، أو ماسوني أينما يوجه لا يأت بخير، فابتلي المسلمون بهم أشد البلاء، وتوالت عليهم المحن، وظهر الإلحاد، وتفرقت بسببهم الكلمة، وظهر قرن الشر، وفشت الدعارة علانية، وصار المتمسكون بدينهم غرباء.
وبعد تلك المحن كلها مما لا يمكن وصفه امتن الله على المؤمنين، وظهرت بوادر صحوة يتمنى كل مسلم أن تتم بخير، مع الخوف الشديد أن توجه تلك الصحوات وجهة في غير مسارها الصحيح، فتنتكس الأمة انتكاساً ربما لا تقوم لهم قائمة - لا سمح الله- إذا نجح هؤلاء النقلابيون على كل شيء حتى على دينهم ورسالة نبيهم، لأنهم يريدون قلب كل شيء، وتحويل كل معتقد إلى معتقداتهم الفاسدة، ثم السير بهم في تلك السبل التي تربوا عليها، وهي السبل التي حذرنا الله من سلوكها، إن المتتبع لنشاط هؤلاء ودوافعهم تنكشف له اللعب السياسية والاجتماعية الخطيرة التي تدفع بأتباعها من ظهورهم إلى حيث لا يدرون، ومن حيث لا تمكنهم من معرفة ما هم واردون عليه.
قد أحاطوهم بصراخ وعويل أفقدوهم حتى مجرد اللحظة التي يفكرون فيها، وبخبث ودهاء تظافرت جهودهم يصدق بعضها بعضاً، الجريدة، والمجلة، والكتاب، والتلفزيون، والإذاعة، وإعلانات الشوارع، وندوات المجالس، ونثر ونظم، وتمثيليات وفكاهات؛ فأحاطوهم من كل جهة، ودخلوا معهم في كل مجال من مجالات الحياة.
وجعلوهم لا يفكرون إلا فيهم، وفي تنفيذ دعاياتهم في كل وقت -وهم يمشون، أو على مكاتبهم، أو في بيوتهم، أو في اجتماعاتهم، أو في انفرادهم؛ حتى أخذوا منهم كل أوقاتهم، وخدعوهم عن كل ما يمت إلى تدبر أمرهم فأصبحوا فريسة سهلة، لا حراك بها أمام هؤلاء سراق عقول البشر الذين يصطادون في الماء العكر، قد دخلوا في المجتمعات المحافظة على سلامة عقيدتها كما تدخل الجراثيم.
فأصبح الكثير من شباب الأمة الإسلامية - إلا من رحم الله- عقولهم معهم وأيديهم تكتب عنهم وتمجدهم وأرجلهم تمشي إلى مجالسهم، وألسنتهم تنطق بدعاياتهم وأكاذيبهم وحيلهم. ولا شك أن ثمن ذلك كله تفرق الكلمة وتشتت الآراء تحت غطاء إصلاح وتقدم الأمة، والوصول إلى التطور والتجديد، أو غير ذلك من الأكاذيب.
جندوا كل أولئك لهدف واحد هو محاربة الدين والعادات الإسلامية، وتفكيك الروابط المتينة التي بناها الإسلام والتي تقف دون رغباتهم الجنسية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وجنَّدوهم كذلك لقطع أوصال الأمة وإلقاء بذور الشقاق بينهم- على طريقة فَرِّقْ تَسُد- ودربوهم على طريقة إلصاق التهم بالآخرين من أهل الحق وتشويه سمعتهم، ثم ألقوا بينهم مختلف الآراء الفكرية شغلوا الأمة بها.
ولم يفلحوا في شيء مثلما أفلحوا في تفريق كلمة المسلمين، وإشاعة الفرقة والعداوة بينهم، وبغي بعضهم على بعض، والتفنن في اللمز ورفع الشعارات، وهذا ما يفسره لنا وَلَعُهُمْ بقيام الأحزاب المتناقضة في الآراء لإلهاء الناس عن مراقبة ما يقومون به.
ونتج عن ذلك استحكام الفرقة، ونشوء الأحزاب والجماعات المتصارعة، وإفساح المجال واسعاً لكل طامع في تفتيت الأمة، الذين هم كالجسد الواحد؟ إنهم يلهثون لاستعباد عقول الناس بأي ثمن كان، حتى ولو كان تفرقة أهل البيت الواحد ما دام ذلك يحقق لهم مصالحهم، ويجعلهم قادة للقطعان الذين يتبعونهم بغير تدبر ولا روية منخدعين بزخارف أقوال أولئك الذين فسدت فطرهم، وانتكست مفاهيمهم، حتى أصبحوا يرون المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والباطل حقاً، والحق باطلاً.
عقاب من الله لهم لانحرافهم عن النهج الرباني، وعن الصراط المستقيم، والسبيل المبين إلى سبل وشبهات على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه كما تقدم بيان المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذا المسلك في الحديث الثابت عنه .
وبالبحث عن أسباب تفرق الأمة الإسلامية، قديماً وحديثاً، يتضح أن أسباباً عديدة عملت مجتمعة على ذلك التفرق بعضها معلن وبعضها خفي، وهذا لا يمنع أنه قد يوجد لكل طائفة من العوامل ما لا توجد عند الطوائف الأخرى، ولهذا فإنه من الإطالة البحث عن الأسباب التي أدت إلى خروج كل طائفة من الطوائف التي يموج بها العالم الإسلامي.
وتفصيل ذلك والتوسع فيه كل طائفة على حدة ودراسة تلك الأسباب والمقارنة بينها وبين الأسباب للطوائف الأخرى فهذا يحتاج إلى دراسة خاصة، تبدأ بذكر ما جرى بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحداث مروراً ببيان الخلاف الحاد الذي أنتجه أمر الخلافة لمن تكون وكيف تمت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ومواقف الناس منها.
ثم بيان ما حصل من ابن سبأ من مؤامرات ومواقف خبيثة أدت إلى ارتكاب جريمة مروعة في عصر الصحابة؛ وهي قتل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه علانية، وما أعقب ذلك من مواجهة حربية بين علي رضي الله عنه وطلحة والزبير ومن معهما في معركة الجمل بتأثير أعداء الله السبيئة.
ثم امتداد الفتنة بصورة شاملة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في معركة صفين، وما نتج عنها بعد ذلك من أمر التحكيم الذي شطر جيش علي رضي الله عنه إلى حزبين متضادين هما: الخوارج والشيعة، وما أحدثه هؤلاء من أفكار نسبوها إلى الدين الإسلامي بعد ذلك.
وتلك الأحداث كانت بمثابة مرض ألمّ بجسم الأمة أفقده الكثير من المناعة؛ فظهرت بوادر أمراض كثيرة فيه، فَبَزَغَ قرن الشيطان عند ذلك وتوالت المصائب وأسباب التفرق المتعددة الأشكال، فظهرت العصبيات البغيضة، والقوميات المتصارعة، والرغبة في السيطرة والزعامة، وتفاوتت المفاهيم فظهرت المذاهب الفكرية للفرق المختلفة، من خوارج، ومعتزلة، وقدرية، ومرجئة، وشيعة...إلخ، فأسسوا الآراء التي فرقت المسلمين، وغذوها بالتأويلات الفاسدة اتباعاً لأهوائهم.
وظهر الغلو الممقوت نتيجة لتمجيد كل طائفة لآرائها ولرجالها وقويت الرغبة لدى كل طائفة للاستقلال بأتباعها.
ثم جاء دور التلاعب بالنصوص من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلة الله عليه وسلم، وجرت كل طائفة مفاهيم تلك النصوص إلى ما يوافق ما أسسته من مفاهيم سقيمة وعقائد خاطئة فاختلفوا من بعد ما جاءهم البينات.
ولئن كانت دراسة كل تلك الأمور بالتفصيل والتوسع غير واردة هنا لما قدمناه سابقاً فإنه يمكن الاقتصار والإشارة إلى أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك التفرق الحاصل في العالم الإسلامي بصورة إجمالية عامة، سواء كان ذلك في الزمن القديم أو في الأزمان التي جاءت بعده.
الورده
22/01/2007, 03:33 PM
الأسباب العامة
- وجود علماء انحرفت عقائدهم، على رأس كل طائفة منهم مردة أسهموا في تثبيت الفرقة بين المسلمين.
2- غلبة الجهل وفشوه بين أوساط المسلمين في مختلف العصور بصفة عامة.
3- عدم فهم النصوص فهماً سليماً، حتى وإن كانت النيّة ربما تكون حسنة عند البعض منهم.
4- موافقة الخلاف والفرقة لهوى في النفس فأصروا عليه.
5- تدخل سلطان العصبية البغيضة.
6- استحكام قوة الحسد في النفوس.
7- الرغبة في إحياء البدع والخرافات، وميل كثير من النفوس إليها.
8- تقديس العقل وتقديمه على النقل.
9- بث الدعايات المنفرة عن الاعتقاد الصحيح الموافق للكتاب والسنة الذي يُمثله السلف الصالح.
10- وجود تأثيرات خارجية.
أما بالنسبة للسبب الأول وهو وجود العلماء الذين انحرفت عقائدهم؛ فمما لا يكاد يجهله طالب العلم أن أكثر العقبات التي تواجه الداعية إلى الله هم هؤلاء الأصناف الذين تمكنوا من استجلاب العامة، وجذبهم إليهم، حتى أصبحوا يقدسونهم، ويرون أن لا علم إلا ما كان لديهم، ولا حق إلا ما سلكوه، وحذروا من الالتقاء معه في أي شيء، ولنا في ضحايا علماء البريلوية، وعلماء الصوفية، وعلماء الباطنية وغيرهم-أمثلة قريبة على تثبيت وإحكام الفرقة بين المسلمين.
ومن الغريب في الأمر أن البينات التي هي أقوى شيء لقطع النزاع، وانتهاء الاختلافات صارت البينات هي التي قام عليها محور الاختلاف كما ذكر الله ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ، وقال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) .
ومن المعلوم أن أصحاب هذا الاختلاف بعد وجود البينات.. إنما هم علماء السوء الذين يظهرون منها ما يوافقهم ويخفون منها ما لم يتفق وهواهم.
وفتنة هؤلاء من أعظم الفتن حيث أضلوا الناس بغير علم ولا هدى، ومن حيث كان أتباعهم يتوقعون منهم معرفة الحق والوصول إليه، فصار هؤلاء العلماء يحرمون ما يشاءون ويحللون ما يشاءون، ويفتون بما يريدون، ثم جعلوا أتباعهم وراء ستار كثيف من الجهل والنفور عن الآخرين؛ لئلا يكتشف جهلهم.
وجرت الرياح بما تشتهي سفنهم ووجدت لهم عوامل كثيرة ساعدتهم وقوَّت من عزائمهم فأبعدوا الهوة بينهم وبين الوصول إلى الحق واجتماع الكلمة عليه، وقد حذرنا من لا ينطق عن الهوى سوء فعل هؤلاء حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)) .
وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم:- ((أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن)) .
أما بالنسبة للسبب الثاني وهو غلبة الجهل وفشوه بين أوساط عوام المسلمين، فقد مرت بالمسلمين في عصورهم المختلفة فترات حلّ فيها الجهل واستحكمت الخرافات في النفوس محل العلم والاعتقاد الصحيح فضعف نور الإيمان في نفوس هؤلاء، وقلَّ وجود علماء متكاتفين متعاونين على إظهار وقمع الباطل؛ فانتشرت الخرافات وقوي أمر التحزب الباطل والفرقة الممقوتة.
وقد عاب الله تعالى في كتابه الكريم الجهل وأخبر أن سبب ترك الناس لدين الله وتفرقهم فيه إنما هو الجهل.
قال تعالى في شأن موسى وقومه حين وصل بهم الجهل إلى أن طلبوا من موسى أن بنصب لهم إلهاً: (قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) .
وآيات أخرى كثيرة في القرآن الكريم فيها ذم الجهل والدعوة إلى العلم والمعرفة.
وكذا في السنة النبوية أحاديث كثيرة في ذم الجهل والتحذير من قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضوا وأضلوا)) .
الورده
22/01/2007, 03:34 PM
يتبع >>>>>>>
وقد نشأ عن الجهل الغلو في تعظيم بعض المخلوقين تعظيماً خارجاً عن هدي الإسلام، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- عن نوع من أنواع أسباب الاختلاف بين المسلمين وتفرقهم وهو الغلو.. قال: ((ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلاّل المتعبدة والمتصوفة..حتى خالط كثيراً منهم من مذاهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى، أو مثله، أو دونه)).
وقال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) الآية. وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه بأنهم: ((أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم)) وكثير من أتباع المستعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمره به، وإن تضمن تحليل حرام، أو تحريم حلال .
وقد دخل رجل على ربيعة بن عبد الرحمن فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم.. ثم قال ربيعة في شأن الجهال حين يتزعمون الناس، ويخرجونهم بفتاواهم عن الحق ..قال: ((ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق)) .
وأما عدم فهم النصوص فهماً سليماً فقد أدى ذلك إلى نتائج سيئة، حيث أخذت كل فرقة تؤول النصوص لصالحها، وتقوية ما تذهب إليه من أفكار وآراء، ومصداق ذلك أنك ترى النص الواحد من الكتاب أو من السنة يفسر بعدة أفكار، متعارضة في بعض الأحيان حسب ما تذهب إليه كل طائفة.
وصار بعضهم يعيب البعض الآخر، وذموا أهل السنة، وسخروا من مفاهيمهم، وفرحوا بما عندهم من تلك التأويلات الملفقة، وصار حال أهل السنة معهم كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وكان لهذه المواقف نتائج ظاهرة هي تفرق الأمة الإسلامية وظهورهم طوائف، كل طائفة لا تلوي على أخرى بعد أن تحجرت العقول وجمد كل ذي رأي على رأيه، وقدم فهمه على مفاهيم من هو أفقه منه، واستنكف أن يرجع عما تقرر في ذهنه، وهي قضية طالما وقفت حجر عثرة في طريق الدعوة إلى الإصلاح واجتماع الكلمة قديماً وحديثاً.
وأما موافقة الخلاف لهوى في النفوس فإنه أمر خطير بل هو من أشد الأمور التي تفرق بسببها المسلمون قديماً وحديثاً، وبالاسترسال مع الهوى أقصى العقل وأهملت الشرائع وأخرجت النصوص عن مدلولاتها وقامت البدع وانتشرت الخرافات، بل وسفكت الدماء أحياناً كثيرة، وهو الذي حال بين كثير من البشر وأنبيائهم.
والنصوص من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في ذم الهوى لا تخفى على أي مسلم من عوام المسلمين فضلاً عن طلاب العلم، لقد أخبر الله تعالى أن الهوى أحيانا يحل في بعض النفوس محل الإله فقال تعالى : (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) .وأخبر تعالى أن الهوى هو الذي حال بين الأنبياء وأممهم، إذ لم يستفيدوا من أنبيائهم لاستكبارهم الذي أملاه عليهم هواهم قال تعالى: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم) .
وآيات أخرى كثيرة في ذم اتباع الهوى وعواقبه الوخيمة.
وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه: ((وثلاث مهلكات: هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه)) .
الورده
22/01/2007, 03:35 PM
وعن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد ذكره حديث افتراق الأمة:
((وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب لصاحبه))، وقال عمرو: ((الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) .
وأما تدخل سلطان العصبية البغيضة فكان إحدى المعاول الهدامة لوحدة الأمة الإسلامية ؛ حيث غطت على أبصار وقلوب أتباعها فحجبتهم عن النظر إلى الآخرين بعين الأخوة والترابط العام ومحاولة تألف القلوب وجمع الكلمة.
فأخذت كل طائفة تمجد أفكارها، وتتحزب حولها، وتشنع على الآخرين، فكم سفكت بسببها من الدماء وكم خربت من مدن عامرة وكم خرج بسببها عن الدين من بشر، وقديماً قالت ربيعة عن الكذاب مسيلمة: ((كذاب ربيعة خير من صادق مضر)) ؛ لأن سلطان العصبية لا عقل عنده، والتعصب كما يقول بعض العلماء: ((ظاهرة ذميمة لا يؤدي إلا إلى التفرقة والتعادي...وثمرة التعصب الاختلاف والفرقة والتباغض)) .
وليس هذا فحسب؛ بل إنه المستنقع الخصب لانتشار أوبئة البدع على اختلاف أنواعها، وما تؤدي إليه من تعظيم الآباء والمشايخ، وتقديم أفكارهم على النصوص الشرعية من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، معرضين عن قول الله عز وجل: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) .
وقال تعالى حاكياً عن حالهم وهم في النار: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا) .
وهذه الطاعة الناشئة عن التعصب هي التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة ، قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه)) .
وإذا وصل الحال إلى هذا الحد فكيف تتفق الكلمة وكيف يحصل الاتحاد بين المسلمين وتنتهي الفرقة البغيضة.
وأما استحكام قوة الحسد في النفوس. فهذا هو الداء العضال الذي يأكل الأخضر واليابس ويفرق الكلمة ويجعل المسلمين شيعاً وأحزاباً متباغضة، هذا العامل متمم لعامل العصبية البغيضة، وقد ابتلي به كثير من أصحاب النفوس المريضة والقلوب الغافلة؛ حيث أوجد لدى هؤلاء النفور التام والاستكبار الممقوت عن قبول الحق وتجاوز الخلافات التي تحصل بين الناس.
وهؤلاء ماضون على طريقة أول الحاسدين لبني آدم وهو إبليس؛ حيث قال فيما أخبرنا عنه: (قال أأسجد لمن خلقت طيناً) وقوله: (قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ) .
إن أول نتائج الحسد استحكام الفرقة بين المسلمين وبغي بعضهم على بعض وظهور العداوة والبغضاء، وغير ذلك من المفاسد التي لا يعلمها إلا الله.
وقد قال نبي الهدى صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من الأدواء المهلكة: ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب- أو قال-: العشب)) وفي رواية أخرى ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) الحديث.
وفي التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة على مدى الضرر الذي لحق بوحدة الأمة الإسلامية من جراء الحسد قديماً وحديثاً، فقد ورد عن بعض العلماء أن ما حصل بين ربيعة ومضر في الزمن القديم من العداوة والحروب إنما كان ناشئاً عن الحسد لمضر؛ لمكان النبوة فيهم، ومن هنا قال المأمون فيما يذكر عنه: ((لو خرج اثنان ثائران لكان أحدهما من ربيعة)) ، وتقدم قول أهل العصبية السخيفة: ((كذاب ربيعة خير من صادق مضر)).
وأما عامل حب البدع والخرافات وميل أكثر النفوس إليها، فمما هو واضح أن الابتداع في الدين وإحياء الأمور البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، ثم التصميم على تنفيذ تلك البدع –كان من أعظم الأسباب في تفرق كلمة المسلمين ونفور بعضهم من بعض كما أنه كان من أعظم العوامل التي أبعدت الكثير من الناس عن تفهم العقيدة الحنيفية، وأخرجتهم إلى حمأة الجهل والتعلق بالخرافات واعتبارها من الدين.
فكان لحب البدع وإحيائها أكبر الأثر في قيام كثير من الحركات والفرق على امتداد تاريخ الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمننا الحاضر.
وكأن لسان حال هؤلاء يقول لا حاجة بنا إلى الشرع الذي لا يوافق ما نريد فشرعوا لأنفسهم ما شاءوا من الزيادة والنقص في دينهم؛ فاختلط الأمر على كثير من الناس، التفريق بين الشرع الذي جاء به المرسلون وبين التشريع الذي أحدثه أصحاب البدع ورؤوس الفرق، فأصبح التفرق بين المسلمين بعد ذلك نتيجة حتمية؛ فإن النفوس إذا لم تشتغل بالحق اشتغلت بالباطل.
ولم يهتم أصحاب تلك البدع بتفهم ما ورد في القرآن الكريم من الدعوة إلى التزام الشرع الحنيف، والابتعاد عن كل ما يضاد منهج الله وصراطه المستقيم، والتمسك بعه وحده كما قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه لا تتبعوا السُّبُل فتفرق بكم عن سبيله) .
وقوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيءٍ) كما لم يهتم أولئك بنصح نبيهم لهم وتحذيره إياهم من الوقوع في البدع التي تحيط الأعمال وتسبب لأصحابها الوبال في الدنيا والآخرة.
قال صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد)) . وهذا تحذير شديد وترهيب خطير، وأخطر منه أن ضرر صاحب البدعة قد لا يقتصر عليه وحده , فهو يضر نفسه ويضر غيره ، ويتحمل إثم نفسه وإثم غيره ممن تسبب في إغاوئهم، وهو ما يفسره قوله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئاً)) .
وأما عامل تقديس العقل وتقديمه على النقل فإنه سيأتي الكلام عنه إن شاء الله في آخر هذه الدراسة بمزيد من الإيضاح.
واعتبار هذا العامل من الأسباب المفرقة لصفوف المسلمين من الوضوح بمكان، فإن المعتزلة ومن تبعهم حينما قدسوا العقل وقدموه على النقل، واعتبروه المرجع الأول والأخير والحكم الفصل في كل قضايا الدين، فتحوا بهذا الموقف فتنة وتفريق بين المسلمين، لم يستطع أحد إغلاقه إلى يومنا الحاضر.
إن العقل له حدود إذا تجاوزها الشخص خرج عن الحق من حيث يطلبه، سنة الله في خلقه، وصارت نعمة العقل العظيمة آفة في حق صاحبها حين تجاوز حدوده.
ويعود تمجيد العقل وتقديسه إلى ما أحدثته ترجمة الكتب اليونانية وظهور عل الكلام المذموم والفلسفة والمنطق واحتدام الخصام بين الطوائف الإسلامية في تطبيق هذه الأفكار المخالفة للشريعة الإسلامية، وانقسام المسلمين بعد ذلك بين مؤيد ومخالف ومحتال للتوفيق بين هذه الأفكار والشريعة الإسلامية، فازداد الخرق على الواقع، وظهر شر كثير فقيَّض الله من عباده من وقف في طريق هؤلاء وأزال الشبهة .
وأما بالنسبة لموقف المخالفين للسلف من التهجم عليهم وبث الدعايات الكاذبة عنهم، وإغراء بعض المسلمين بالنفرة عن البعض الآخر؛ فإن موقف السلف كما هو معروف من سلوكهم لا يحبون الغمز واللمز واللغو الباطل وإلصاق التهم بالآخرين ظلماً وعدواناً؛ لأنهم على خلق وأدب إسلامي يمنعهم من ذلك، يتمثلون قول الله تعالى: (ولا بجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) .
بخلاف المواقف الشائنة للمخالفين لهم من أهل الضلال والتفرق الممقوت، فإنهم لا يبالون ما قالوه من السباب وكيل التهم وقذف الألقاب الظالمة عليهم جزافاً، والغرض من كل ذلك هو التنفير عنهم وعن عقيدتهم السلفية، والنتيجة من كل ذلك زيادة إحكام التفرق وتعميقه بين المسلمين.
فمن الأوصاف الظالمة التي أطلقها هؤلاء على أصحاب العقيدة السلفية- وصفهم بالمشبهة والحشوية والمجسمة والنابتة والنواصب، وغير ذلك من الألقاب التي أطلقها هؤلاء على أهل السنة؛ ليتم لهم تنفير الناس عنهم، كما كان الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يطلقون عليه ألقاباً كاذبة، بقصد التنفير عنه فوصفوه بأنه شاعر وكاهن ومجنون وصابئ وساحر، وسموه مذمماً، وهو أفضل الخلق وسيد الأولين والآخرين.
وكبار الفرق الذين بثوا الدعاية السيئة والألقاب الشنيعة على السلف هم الخوارج والمعتزلة والروافض والجهمية والقدرية والأشاعرة والماتريدية والصوفية، وكل طائفة من هذه الطوائف أطلقت ما حلا لها من الألقاب الظالمة على أهل السنة فسموهم مجسمة وحشوية ونابتة ...إلخ.
وفي كل طائفة من هذه الطوائف علماء ومجادلون هم وراء كل تلك التشنيعات.
وما أبعد هؤلاء عن امتثال قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى
أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) .
((إن كل فرقة من تلك الفرق قد ألبست الحق بالباطل فأخرجت للناس بدعها وضلالها تحت لافتات إسلامية، وفي قوالب إسلامية، ليغتر بها العامة فيتبعوهم معتقدين أنهم على الكتاب والسنة مقيمون، ولمذهب السلف الصالح متبعون)) .
وأما ما قيل عن وجود تأثيرات خارجية أسهمت هي الأخرى في تفرق كلمة المسلمين فقد وقع ذلك بالفعل. وهذه التأثيرات تكمن في الأمور التالية:
أ- في اختلاط المسلمين بغيرهم، ودخول غير المسلمين في الإسلام، وإصرارهم- متعمدين وغير متعمدين- على التمسك ببعض الأفكار التي كانوا عليها قبل دخلوهم في الإسلام، ومحاولتهم تغطية تلك الأفكار بغطاء إسلامي، على طريقتهم الخاصة؛ فنتج عن ذلك نشوة جماعات تتمسك به وتعادي من يخالفها، وبالتالي تكونت هذه الجماعات في شكل فرق إسلامية فيما بعد.
ب- وجود حركة ثقافية، وترجمات لكتب عديدة تحتوي على أمور جديدة غريبة أخذت حيزاً من تفكير المسلمين، وتنمية الخلاف بينهم قديما كما فعله المأمون، وحديثاً هذه الحركة القوية لترجمة كتب الملاحدة والماديين.
ج- تأثر بعض المسلمين بغيرهم من أهل الديانات السابقة بعد أن عايشوهم، كما ظهر ذلك في بعض المعتقدات التي تبنتها جماعات تدعي الإسلام، وكان أساس تلك المعتقدات إما فارسي، وإما هندي، وإما نصراني، وإما يهودي تأثر بهم المسلمون بحكم الاختلاط والتقارب.
د- وأيضاً ما قد يواجهه المسلمون من ضغوط ينتج عنها – على الزمن البعيد- جيل من المسلمين ينظر إلى تلك الأمور على أنها حقائق وعقيدة صحيحة للآباء والأجداد. ومن هنا ينشأ المزيد من التفرق بين المسلمين.
هـ - دخول كثير من الناس في الإسلام ظاهراً، وهم يبيتون النية لهدمه وزعزعته في صدور أهله! وأكثر هذا الصنف هم اليهود والنصارى. وقد ظهر تأثير هؤلاء على المسلمين بوضوح في آراء كثير من الفرق التي تنتمي إلى الإسلام مثل آراء الروافض الغلاة والجهمية والمعتزلة والنصيرية، وغير هؤلاء ممن ظهرت الأفكار الأجنبية واضحة في معتقداتهم، وقد نبه علماء الإسلام على هذه القضية وأولوها عنايتهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن تأثير المسلمين بغيرهم من الأمم خصوصاً فارس والروم: ((وأما مشابهة فارس والروم فقد دخل منه في هذه الأمم من الآثار الرومية قولاً وعملاً، والآثار الفارسية قولا وعملا ما لا خفاء فيه على مؤمن عليم بدين الإسلام وبما حدث فيه)) ,
ويقول ابن حزم رحمه الله: (( والأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام؛ أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء ، وكانوا يعدُّون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب- وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطراً- تعاظمهم الأمر وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام)) إلى آخر ما ذكر من مشاهير أولئك القوم وحيلهم في إخراج المسلمين عن دينهم.
ويقول طارق عبد الحكيم: ((وبعد أن تم الفتح الإسلامي لبلاد فارس، ودخل الفرس في دين الله أفواجاً، ولكن -بطبيعة الحال- لم يكن من السهل أن يعرف كل الفرس المسلمون الإسلام كما أراده الله عز وجل، فالأعداد المسلمة غفيرة، والعادات والأديان والأفكار القديمة متأصلة في النفوس، فكان أن ترعرعت نبتة الرفض البغيضة في تلك البلاد ، واستمدت أفكارها الرئيسية بشأن الإمام المعصوم، وآل بيته مما رسخ في الأذهان من قديم)).
وهو يشير هنا إلى ما قاله ضياء الدين الريس عن الفرس الذين دخلوا في الإسلام وأذهانهم مملوءة بمذاهبهم القديمة وحضارتهم البائدة..فقال: ((والفارسي لم يكن يستطيع أن يتصور أن يوجد خليفة بالانتخاب، وإنما المبدأ الوحيد الذي يمكن أن يفهمه هو مبدأ الوراثة..وليس من المبالغة إذا في شيء أن يقال: إن البيت النبوي وقد مثله ((أل عليّ)) قد حلَّ في قلوب هؤلاء الفرس واعتبارهم محل بيت ((آل ساسان)) .
الورده
22/01/2007, 03:36 PM
يتبع >>>>>>
وعن تأثر المسلمين بالفكر اليوناني قال طارق عبد الحكيم: ((زعم أن الأثر اليوناني قد ظهر كأشد ما يكون في فكر من يسمون بفلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا، وفي فكر المعتزلة - إلا أنه قد أثر في مناهج الفكر بشكل عام عند بقية الفرق، بل وعند بعض علماء أهل السنة الذين دافعوا عن علم الكلام الذي استقوه من المنهج المنطقي اليوناني، وقد تجلى ذلك في كتابات أئمة الأشاعرة)) .
وعن تأثرهم بالأفكار الهندية قال: ((وقد كان من أهم ما أثر به فكر الهنود في الفرق المبتدعة في الإسلام هي فكرة ((التناسخ))، فقد نشأت عدة فرق تقول بهذه الفكرة منها والسبئية من الروافض، كذلك تأثرت الصوفية بالهندوكية.
إلى أن قال: ((ومن الفرق التي تأثرت بالتناسخ النصيرية والدروز الذين يعتقدون أن مرتكبي الآثام يعودون إلى الدنيا يهوداً أو نصارى أو مسلمين سنيين)) .
وسيتضح كل ذلك إن شاء الله عند دراستنا لهذه الفرق.
أما أثر اليهودية في المسلمين فإنه يظهر من خلال شخصية عبد الله بن سبأ، والأحداث التي افتعلها، والأفكار التي روَّجها من القول بالرجعة والوصية وغيرها من الأفكار التي اخترعها.
ومن خلال شخصية لبيد بن الأعصم الذي كان يقول بخلق التوراة، فأخذ ذلك عنه ختنه طالوت، وأخذ عن طالوت أبان بن سمعان، وعنه الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان، ثم بشر المريسي الذي كان أصله يهودياً.
وكذا تأثير اليهود فيمن أخذ عنهم فكرة القول بالبداء على الله تعالى، وهي فكرة يهودية كفكرة الرجعة.
وعن تأثر المسلمين بالنصرانية يقول: ((فمن المفاهيم النصرانية التي تسربت إلى عقول طوائف من المسلمين، وأدى بهم إلى الصوفية هي نظرة النصارى إلى الدنيا، واحتقارهم الكامل لها في ظاهر الأمر)).
كذلك كان للمفاهيم النصرانية عن اللاهوت والناسوت والاتحاد بينهما أثر في تنمية وتشكيل مبدأ الحلول والاتحاد، الذي قال به متأخرو الصوفية كالحلاج وابن سبعين وابن عربي.
كذلك مفهوم الولاية بالمعنى الصوفي فإنها مذهب نصراني .
وأخيراً أقول بأن كلام العلماء حول قضية تأثر بعض المسلمين بالمفاهيم والحضارات الأخرى كثير، وإنما الغرض والتنبيه على وجود هذا الداء بين صفوف المسلمين بعد أن تراخت قبضتهم على دينهم بفعل تلك العوامل الكثيرة.
وسبب هذا التأثر هو أن الأفكار تتغلغل في النفوس وتنتشر، ثم تستحكم في أصحابها حين تجد عقولاً مفلسة وقلوباً غافلة، فتتمكن حينئذ- على حد ما قاله أحد الشعراء عن الهوى-:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
وهذا البعض من المسلمين إنما أوقعه في مثل هذه المزالق- بعده عن العلم وعن أهل العلم، ومثل هؤلاء إنما هم سهم الصائد الأول. ومن هنا نجد أن تلك الأفكار الخاطئة إنما تنشأ في المجتمعات الجاهلة لعدم وجود حصانة ضدها لديهم، ولجهل تلك المجتمعات أيضاً أسباب لا تخفى على طالب العلم.
الورده
22/01/2007, 03:37 PM
اختلاف الفرق الإسلامية
واعلم أنه كما أخبرنا الله تعالى عن الأمم السابقة أنهم اختلفوا اختلافا شديدا وافترقوا افتراقا بعيدا, وفي ذلك أعظم واعظ وأكبر زاجر عن الاختلافات والتفرق, ولم يقتصر سبحانه في تذكيرنا بذلك بل زجرنا عن الاختلاف زجرا شديدا, وتوعد على ذلك وعيدا أكيدا فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالذِّينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ مَا جَاءَهُمْ البَيِّنَاتُ وَأُوَلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم, يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوه} (آل عمران/105-106), قال ابن عباس رضي الله عنهما: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسودّ وجوه أهل البدع والاختلاف . ثم فصل تعالى مآل الفريقين، وأين توصل أهلها كل من الطريقين فقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ {106} وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (آل عمران/106-107) وحذرنا عن ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أولى بنا من أنفسنا فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة, وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين, ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهم الجماعة)) , وفي بعض الروايات ((هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) .
وقد حصل مصداق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الصدوق من الافتراق, وتفاقم الأمر وعظم الشقاق فاشتد الاختلاف ونجمت البدع والنفاق. فافترقوا في أسماء الله تعالى وصفاته إلى نفاة معطلة, وغلاة ممثلة .
وفي باب الإيمان والوعد والوعيد إلى مرجئة ووعيدية من خوارج ومعتزلة .
وفي باب أفعال الله وأقداره إلى جبرية غلاة وقدرية نفاة .
وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته إلى رافضة غلاة وناصبة جفاة, إلى غير ذلك من فرق الضلال, وطوائف البدع والانتحال, وكل طائفة من هذه الطوائف قد تحزبت فرقا وتشعبت طرقا, وكل فرقة تكفر صاحبتها وتزعم أنها هي الفرقة الناجية المنصورة .
الورده
22/01/2007, 03:38 PM
الفرقة الناجية
وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الفرقة الناجية هم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه, وليس أحد من هؤلاء كذلك, بل إنهم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. وذلك لأنه لا يعرف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا من طريق سنته المروية وآثاره المصطفوية التي هي الشريعة الغراء والمحجة البيضاء, وهؤلاء من أبعد الناس عنها وأنفرهم منها, وإنما تصلح هذه الصفة لحملتها وحفاظها ونقادها المنقادين لها المتمسكين بها, الذابين عنها يقفون عندها ويسيرون بسيرها, لا ينحرفون عنها يمينا ولا شمالا, ولا يقدمون عليها لأحد مقالا, ولا يبالون من خالفهم ولا من خذلهم, ولا يضرهم ذلك حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى. أعني بذلك أئمة الحديث وجهابذة السنة وجيش دولتها, المرابطين على ثغورها الحافظين حدودها الحامين حوزتها, وفقهم الله عز وجل للاستضاءة بنورها والاهتداء بهديها القويم, وهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, فآمنوا بما أخبر الله به في كتابه وأخبر به عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته, وتلقوه بالقبول والتسليم إثباتا بلا تكييف ولا تمثيل وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل, فهم الوسط في فرق هذه الأمة كما أن هذه الأمة هي الوسط في الأمم, فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة, وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين الجبرية والقدرية, وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم, وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج .
فهم والله (أهل السنة والجماعة), وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة, الذين لم تزل قلوبهم على الحق متفقة مؤتلفة, وأقوالهم وأعمالهم وعقائدهم على الوحي لا مفترقة ولا مختلفة. فانتدبوا لنصرة الدين دعوة وجهادا, وقاوموا أعداءه جماعات وفرادى, ولم يخشوا في الله لومة لائم ولم يبالوا بعداوة من عادى, فقهروا البدع المضلة وشردوا بأهلها واجتثوا شجرة الإلحاد بمعاول السنة من أصلها, فبهتوهم بالبراهين القطعية في المحافل العديدة, وصنفوا في رد شبههم ودفع باطلهم وإدحاض حججهم الكتب المفيدة, فمنهم المتقصي للرد على الطوائف بأسرها, ومنهم المخلص لعقائد السلف الصالح من غيرها, ولم تنجم بدعة من المضلين الملحدين, إلا ويقبض الله لها جيشا من عباده المخلصين, فحفظ الله بهم دينه على العباد, وأخرجهم بهم من ظلمات الزيغ والضلالة إلى نور الهدى والرشاد, وذلك مصداق وعد الله عز وجل بحفظه الذكر الذي أنزله, كما قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (الحجر/9) وأعلاءً لكلمته وتأييدا لحزبه إذ يقول: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُون}(الصافات/173) .
الورده
22/01/2007, 03:40 PM
سامحوني
اعرف ان الموضوع طويل وشفت فيه فائده كبيره
وهو قيم وفيه معلومات جيده
حبيت ان انقله لكم واتمنى ان اكون وفقت في نقله
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir