بايمين
28/01/2007, 11:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
قصـة حـب وموت
منذ سنوات أتردد إليه في الأماسي.. التي أضجر فيها، وعندما يراني خلف الباب يستقبلني بحفاوة ويصر على تقديم كل ما في بيته من طعام وشراب ويجبرني على الأكل والشرب، كل مرة أرتب لقضاء ساعة أو ساعتين ، مثلاً في الشتاء أزوره السادسة مساءً وأمكث للثامنة، وفي الصيف أزوره في الثامنة مساءً، ولم يسبق لي أن زرته نهاراً إلا أيام الأعياد، ولكن بقائي غالباً يطول حتى ساعة متأخرة من الليل وأحياناً في فصل الشتاء عندما لا يتوقف المطر يمسك بي ويصر عل نومي في بيته فأنام الثالثة وأستفيق الثامنة صباحاً أتجه من بيته إلى عملي مباشرة، وإذا لم أزره لأسبوعين يقوم بها وهو يحدثني بلهجة توبيخية.
لا أعرف سبب مضايقته للقيام بزيارتي وكل ما يجيبه: ( أنا في الخمسين وأنت في العشرين فمن تقع عليه الزيارة)؟ ويلفت انتباهي مضايقته الواضحة عندما أكون في بيته ويُطرق الباب من الخارج وأحياناً يجيب باستياء: أنا نائم يا حمار 0
لكن على الأغلب لا يزوره أحد، فهو يقيم في هذا البيت لوحده منذ ثلاثين سنة، لاأصدقاء له ولا أحد من أقربائه أو جواره يجرؤ على طرق الباب مهما كانت الدوافع حتى لا يسمع شتيمة، فهو يمكن له أن يشتم كائناً من كان دون أن يعرفه أو يراه ولمجرد أنه طرق الباب، مثل أن يقول-عندما أكون موجوداً- للطارق قبل أن يراه أو يعرف هويته:/ابن الكلب لا تطرق هذا الباب مرة ثانية/ وقد سطر رجل مجهول هذه العبارة على بابه/لا تطرق هذا الباب يا حمار/ وصديقي نفسه لا يعرف من كتب هذه العبارة، لكنه يشعر بأنه كتبها نيابة عنه. يقول لي بأنه منذ ثلاثين سنة لم يزر أحداً من أقربائه مهما كانت المناسبة سلبية أو إيجابية، ولا أجد أي حرج من زياراته رغم نظرات الجوار الذين يجلسون على الأغلب في أمسيات الربيع والصيف أمام أبواب بيوتهم يحتسون الشاي ويبحلقون في المارة بنظرات استفسارية مزعجة، وعلى الأغلب يمعنون النظر إلي وأنا أتوقف مطولاً أنتظر أن يفتح /حسيب/ لي الباب لأنني أجد راحة هائلة لدى ناس غير عاديين وربما أغلب أصدقائي هم من هؤلاء، أفضل قضاء ساعات طويلة برفقتهم وقد لا أستطيع قضاء ربع ساعة فقط مع شخص /عادي/ أو /عام/ لا خصوصية لديه,وهكذا لا أحتمل زياراتهم إلى بيتي فأتحجج بعد دقيقة من جلوسهم بأنني على موعد هام وأصرفهم لأنني حقاً لا أحتمل ضياع ساعات مثلما هم يريدون ضياع وقتهم فقط حتى يموتون، لكن عند حسيب الذي لا يحتمله أحد ساعة واحدة، أجد راحة مذهلة ربما أكثر من وجودي في منزلي. مرة قلت لحسيب وأنا أخطط لعدم الزواج: ما رأيك بالحياة دون زوجة؟
أجاب وهو يبحلق في: ليس هناك أمتع من الحياة بدون امرأة وأولاد خاصة عندما لا يثق الرجل بقدرته على إعالة أسرة سوف تكبر مع السنوات.. أنا عشت سعيداً بدون مسؤولية لأن المرأة تحطم الظهر، كان علي أن أتحول إلى حمار لأحتمل هذا العبء المروع، ولم تتغير نظرتي حتى الآن لأنني عشت دون مشاكل وأعتقد بأنني سأموت دون مشاكل. الآن أحس بحاجة إلى امرأة تخدمني فقط، لكن المجتمع متخلف لا يمنحني هذا الحق، وأنا أيضاً لا أستطيع أن أغريهن براتب كبير لأن ذلك فوق قدرتي، هذه هي الحقيقة، أتكاسل من جلي صحن أو غسل ثوب أو تنظيف البيت، هذه المسائل البيتية التي غدوت احتقرها تقلقني هذه المرحلة أكثر من غيرها وتكاد تخنقني الآن فأهملها يوماً بعد يوم، لكن القذارة ستأكلني وأنا مجبر على القيام بهذه الأمور التافهة 0
قلت له: وهذه العزلة كيف تحتملها؟
ضحك وقد ضغط بكفه على كفي قائلاً: هي التي تحتملني، أنا جلبتها بإرادتي لتختطفني أو تعتقلني بالرغم، أنا أرغمت عليها البقاء معي، وهي المسكينة تحتملني لكنني بدون أصدقاء عشت في سلام، المبلغ الذي ورثته عن أبي ودعته في المصرف أعيش بفوائده، منذ عشرين سنة أقبض راتباً شهرياً من المصرف ,لست بحاجة إلى أن أكذب أو يُكذب علي، ولا أريد أن أكون ثرياً ولا أن ينصبوا لي أصناماً لا في حياتي ولا بعد مماتي ,ولا أن ينشروا صوري على أغلفة مجلات أو يجروا لقاءات إذاعية وتلفزيونية معي، أعيش لوحدي لا أريد شيئاً من العالم كله، أرفض كل شيء حتى الكتب والأغاني والكلام، لا أن أسمع ولا أن أُسمع, هل يشدك هذا النمط من الحياة، هل تعرف أن المشاكل كلها تأتي من الخارج 0
قاطعته: والنجاحات أيضاً تأتي من الخارج
قال: عن أي نجاحات تتحدث
أن تكون ناجحاً هنا عندما تقنع نفسك بأنك ظفرت بكل شيء واسترحت: النوم- الكسل- الاستمتاع بالبقاء بالبيت- السهر- الابتعاد من الآخرين. هذه حرية حقيقية, حرية كبرى لا يحسها أحد غيري في هذه الجمهورية. الليلة أرغب بزيارته والسهر معه هذا الطقس الممثلج، وعدني منذ عشرة أيام بأنه سيكشف لي سراً خطيراً ما زال حتى الآن يحرقه وكان السبب الأول خلف اتخاذ قرار العزلة.
ابتعت خضاراً وفاكهة وبعض حلويات واتجهت إليه في السابعة مساءً، أخرجت حزمة مفاتيحي وطرقت بها الباب 00 تناهى صوته: هل هو أنت؟.
وضعت فمي في شقَي الباب: أجل هو أنا ألن تحفظ طرقاتي؟
سحب شق الباب إلى الداخل بقوة وأخذني بيديه محتفياً كأنني ابنه الضائع منذ ثلاثين سنة، وقادني إلى الداخل ,سحب وسادة أبركني عليها بالقرب من المدفأة، ولما لمحني أرتجف أخذ يدي بكفيه وصار يدفئهما على المدفأة تارة وينفخ عليهما م أخرى: لماذا تختفي.. هل عملك متعب. لماذا لا تأخذ إحازة ونسافر معاً إلى أي بلد آخر لدي نقود لا تلزمني سنصرفها ما رأيك هل توافق.. اجلس بالقرب مني أرجوك.. كدت أخرج للتو إليك، منذ أربعة أيام وأنا أنتظر مجيئك كل مساء. نظرت في عينيه المغلقتين مستفسراً عن سبب هذا الاهتمام الكبير بي ,لا أرغب في سرد التفاصيل الدقيقة التي يقوم بها، وأنا شارد بهذه الحالة انحدرت دموع من عيني عفوياً.
قلت له: هذا الاهتمام الغامض يؤلمني
قال: لأنني أريد أن أفيك حقك
قلت بدهشة هازاً رأسي: أي حق؟
قال: لأنني أريد أن تأتي، فتأتي، أنت تحقق لي مسرة بحضورك
قلت: ولكنني أخاف بعض اللحظات هذا الاهتمام الزائد
قال: هذا كل شيء، قلت لك ما لدي.
مد يده يزيد السائل إلى المدفأة ثم حمل بطانية ولفها على كتفي قائلاً: حتى لا تبرد قد لا تشعر بأثر البرد لكنك ستعاني منه في المستقبل 0ثم تعاونا في إعداد العشاء عندئذ ومع مد اللقمة الأولى إلى فمي قلت: أنا مصر الليلة أن تروي لي قصتك السرية التي وعدتني بها المرة السابقة هل تذكر؟
كنت أعرف أن ثمة امرأة في هذه القصة ,
تابعو معي الجزى الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أخوكم بايمين
قصـة حـب وموت
منذ سنوات أتردد إليه في الأماسي.. التي أضجر فيها، وعندما يراني خلف الباب يستقبلني بحفاوة ويصر على تقديم كل ما في بيته من طعام وشراب ويجبرني على الأكل والشرب، كل مرة أرتب لقضاء ساعة أو ساعتين ، مثلاً في الشتاء أزوره السادسة مساءً وأمكث للثامنة، وفي الصيف أزوره في الثامنة مساءً، ولم يسبق لي أن زرته نهاراً إلا أيام الأعياد، ولكن بقائي غالباً يطول حتى ساعة متأخرة من الليل وأحياناً في فصل الشتاء عندما لا يتوقف المطر يمسك بي ويصر عل نومي في بيته فأنام الثالثة وأستفيق الثامنة صباحاً أتجه من بيته إلى عملي مباشرة، وإذا لم أزره لأسبوعين يقوم بها وهو يحدثني بلهجة توبيخية.
لا أعرف سبب مضايقته للقيام بزيارتي وكل ما يجيبه: ( أنا في الخمسين وأنت في العشرين فمن تقع عليه الزيارة)؟ ويلفت انتباهي مضايقته الواضحة عندما أكون في بيته ويُطرق الباب من الخارج وأحياناً يجيب باستياء: أنا نائم يا حمار 0
لكن على الأغلب لا يزوره أحد، فهو يقيم في هذا البيت لوحده منذ ثلاثين سنة، لاأصدقاء له ولا أحد من أقربائه أو جواره يجرؤ على طرق الباب مهما كانت الدوافع حتى لا يسمع شتيمة، فهو يمكن له أن يشتم كائناً من كان دون أن يعرفه أو يراه ولمجرد أنه طرق الباب، مثل أن يقول-عندما أكون موجوداً- للطارق قبل أن يراه أو يعرف هويته:/ابن الكلب لا تطرق هذا الباب مرة ثانية/ وقد سطر رجل مجهول هذه العبارة على بابه/لا تطرق هذا الباب يا حمار/ وصديقي نفسه لا يعرف من كتب هذه العبارة، لكنه يشعر بأنه كتبها نيابة عنه. يقول لي بأنه منذ ثلاثين سنة لم يزر أحداً من أقربائه مهما كانت المناسبة سلبية أو إيجابية، ولا أجد أي حرج من زياراته رغم نظرات الجوار الذين يجلسون على الأغلب في أمسيات الربيع والصيف أمام أبواب بيوتهم يحتسون الشاي ويبحلقون في المارة بنظرات استفسارية مزعجة، وعلى الأغلب يمعنون النظر إلي وأنا أتوقف مطولاً أنتظر أن يفتح /حسيب/ لي الباب لأنني أجد راحة هائلة لدى ناس غير عاديين وربما أغلب أصدقائي هم من هؤلاء، أفضل قضاء ساعات طويلة برفقتهم وقد لا أستطيع قضاء ربع ساعة فقط مع شخص /عادي/ أو /عام/ لا خصوصية لديه,وهكذا لا أحتمل زياراتهم إلى بيتي فأتحجج بعد دقيقة من جلوسهم بأنني على موعد هام وأصرفهم لأنني حقاً لا أحتمل ضياع ساعات مثلما هم يريدون ضياع وقتهم فقط حتى يموتون، لكن عند حسيب الذي لا يحتمله أحد ساعة واحدة، أجد راحة مذهلة ربما أكثر من وجودي في منزلي. مرة قلت لحسيب وأنا أخطط لعدم الزواج: ما رأيك بالحياة دون زوجة؟
أجاب وهو يبحلق في: ليس هناك أمتع من الحياة بدون امرأة وأولاد خاصة عندما لا يثق الرجل بقدرته على إعالة أسرة سوف تكبر مع السنوات.. أنا عشت سعيداً بدون مسؤولية لأن المرأة تحطم الظهر، كان علي أن أتحول إلى حمار لأحتمل هذا العبء المروع، ولم تتغير نظرتي حتى الآن لأنني عشت دون مشاكل وأعتقد بأنني سأموت دون مشاكل. الآن أحس بحاجة إلى امرأة تخدمني فقط، لكن المجتمع متخلف لا يمنحني هذا الحق، وأنا أيضاً لا أستطيع أن أغريهن براتب كبير لأن ذلك فوق قدرتي، هذه هي الحقيقة، أتكاسل من جلي صحن أو غسل ثوب أو تنظيف البيت، هذه المسائل البيتية التي غدوت احتقرها تقلقني هذه المرحلة أكثر من غيرها وتكاد تخنقني الآن فأهملها يوماً بعد يوم، لكن القذارة ستأكلني وأنا مجبر على القيام بهذه الأمور التافهة 0
قلت له: وهذه العزلة كيف تحتملها؟
ضحك وقد ضغط بكفه على كفي قائلاً: هي التي تحتملني، أنا جلبتها بإرادتي لتختطفني أو تعتقلني بالرغم، أنا أرغمت عليها البقاء معي، وهي المسكينة تحتملني لكنني بدون أصدقاء عشت في سلام، المبلغ الذي ورثته عن أبي ودعته في المصرف أعيش بفوائده، منذ عشرين سنة أقبض راتباً شهرياً من المصرف ,لست بحاجة إلى أن أكذب أو يُكذب علي، ولا أريد أن أكون ثرياً ولا أن ينصبوا لي أصناماً لا في حياتي ولا بعد مماتي ,ولا أن ينشروا صوري على أغلفة مجلات أو يجروا لقاءات إذاعية وتلفزيونية معي، أعيش لوحدي لا أريد شيئاً من العالم كله، أرفض كل شيء حتى الكتب والأغاني والكلام، لا أن أسمع ولا أن أُسمع, هل يشدك هذا النمط من الحياة، هل تعرف أن المشاكل كلها تأتي من الخارج 0
قاطعته: والنجاحات أيضاً تأتي من الخارج
قال: عن أي نجاحات تتحدث
أن تكون ناجحاً هنا عندما تقنع نفسك بأنك ظفرت بكل شيء واسترحت: النوم- الكسل- الاستمتاع بالبقاء بالبيت- السهر- الابتعاد من الآخرين. هذه حرية حقيقية, حرية كبرى لا يحسها أحد غيري في هذه الجمهورية. الليلة أرغب بزيارته والسهر معه هذا الطقس الممثلج، وعدني منذ عشرة أيام بأنه سيكشف لي سراً خطيراً ما زال حتى الآن يحرقه وكان السبب الأول خلف اتخاذ قرار العزلة.
ابتعت خضاراً وفاكهة وبعض حلويات واتجهت إليه في السابعة مساءً، أخرجت حزمة مفاتيحي وطرقت بها الباب 00 تناهى صوته: هل هو أنت؟.
وضعت فمي في شقَي الباب: أجل هو أنا ألن تحفظ طرقاتي؟
سحب شق الباب إلى الداخل بقوة وأخذني بيديه محتفياً كأنني ابنه الضائع منذ ثلاثين سنة، وقادني إلى الداخل ,سحب وسادة أبركني عليها بالقرب من المدفأة، ولما لمحني أرتجف أخذ يدي بكفيه وصار يدفئهما على المدفأة تارة وينفخ عليهما م أخرى: لماذا تختفي.. هل عملك متعب. لماذا لا تأخذ إحازة ونسافر معاً إلى أي بلد آخر لدي نقود لا تلزمني سنصرفها ما رأيك هل توافق.. اجلس بالقرب مني أرجوك.. كدت أخرج للتو إليك، منذ أربعة أيام وأنا أنتظر مجيئك كل مساء. نظرت في عينيه المغلقتين مستفسراً عن سبب هذا الاهتمام الكبير بي ,لا أرغب في سرد التفاصيل الدقيقة التي يقوم بها، وأنا شارد بهذه الحالة انحدرت دموع من عيني عفوياً.
قلت له: هذا الاهتمام الغامض يؤلمني
قال: لأنني أريد أن أفيك حقك
قلت بدهشة هازاً رأسي: أي حق؟
قال: لأنني أريد أن تأتي، فتأتي، أنت تحقق لي مسرة بحضورك
قلت: ولكنني أخاف بعض اللحظات هذا الاهتمام الزائد
قال: هذا كل شيء، قلت لك ما لدي.
مد يده يزيد السائل إلى المدفأة ثم حمل بطانية ولفها على كتفي قائلاً: حتى لا تبرد قد لا تشعر بأثر البرد لكنك ستعاني منه في المستقبل 0ثم تعاونا في إعداد العشاء عندئذ ومع مد اللقمة الأولى إلى فمي قلت: أنا مصر الليلة أن تروي لي قصتك السرية التي وعدتني بها المرة السابقة هل تذكر؟
كنت أعرف أن ثمة امرأة في هذه القصة ,
تابعو معي الجزى الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أخوكم بايمين